الذهبي

124

سير أعلام النبلاء

وتلقب بالمنصور ، واتخذ الوزراء لنفسه ، وبقي المؤيد معه صورة بلا معنى ، لان المؤيد كان أخرق ، ضعيف الرأي ، وكان للمنصور نكاية عظيمة في الفرنج ، وله مجلس في الأسبوع يجتمع إليه فيه الفضلاء للمناظرة ، فيكرمهم ويحترمهم ويصلهم ، ويجيز الشعراء ، افتتح عدة أماكن ، وملا الأندلس سبيا وغنائم ، حتى بيعت بنت عظيم من عظماء الروم ذات حسن وجمال بعشرين دينارا ، وكان إذا فرغ من قتال العدو ، نفض ما عليه من غبار المصاف ، ثم يجمعه ويحتفظ به ، فلما احتضر أمر بما اجتمع له من ذلك بأن يذر على كفنه ، وغزا نيفا وخمسين غزوة ، وتوفي مبطونا شهيدا وهو بأقصى الثغر ، بقرب مدينة سالم ، سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة . وكان أول شئ حاجبا للمؤيد بالله ، فكان يدخل عليه القصر ، ويخرج فيقول : أمر أمير المؤمنين بكذا ، ونهى عن كذا . فلا يخالفه أحد ، ولا يعترض عليه معترض ، وكان يمنع المؤيد من الاجتماع بالناس ، وإذا كان بعد مدة ركبه ، وجعل عليه برنسا ، وألبس جواريه مثله ، فلا يعرف المؤيد من بينهن ، فكان يخرج يتنزه في الزهراء ، ثم يعود إلى القصر على هذه الصفة . ولما توفي الحاجب ابن أبي عامر ، قام في منصبه ابنه الملقب بالمظفر : أبو مروان عبد الملك بن محمد . وجرى على منوال والده ، فكان ذا سعد عظيم ، وكان فيه حياء مفرط يضرب به المثل ، لكنه كان من الشجعان المذكورين ، فدامت الأندلس في أيامه في خير وخصب وعز إلى أن مات في صفر ، سنة تسع وتسعين وثلاث مئة ( 1 ) .

--> ( 1 ) انظر " نفح الطيب " 1 / 423 ، و " الكامل " 8 / 678 ، و " الذخيرة " ق 4 / ج 1 / 78 - 86 .